ابن رشد

193

الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة

[ 314 ] فإذن : على هذا لا خالق إلا اللّه تعالى : إذ كانت المخلوقات في الحقيقة هي الجواهر . وإلى هذا المعنى أشار بقوله تعالى : « يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ، إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ، ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ » ( الحج 73 ) . وهذا هو الذي رام أن يغالط فيه الكافر إبراهيم عليه السلام حين قال : « أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ » ( البقرة 258 ) . فلما رأى إبراهيم عليه السلام أنه لا يفهم هذا المعنى انتقل معه إلى دليل قطعه به فقال : « فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ » ( نفس الآية ) . [ 315 ] وبالجملة فإذا فهم الأمر هكذا في الفاعل والخالق ، لم يعرض من ذلك تعارض لا في السمع ولا في العقل . ولذلك ما نرى أن اسم الخالق أخص باللّه تعالى من اسم الفاعل ، لأن اسم الخالق لا يشركه فيه المخلوق ، لا باستعارة قريبة ولا بعيدة : إذ كان معنى الخالق هو المخترع للجواهر . ولذلك قال تعالى : « وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ » ( الصافات 96 ) . [ 8 - إبطال الأسباب : إبطال للحكمة والعلم ] [ 316 ] وينبغي أن تعلم أن من جحد كون الأسباب مؤثرة بإذن اللّه في مسبباتها ، أنه قد أبطل الحكمة وأبطل العلم . وذلك أن العلم هو معرفة الأشياء بأسبابها ( - الفاعلة ) ، والحكمة هي المعرفة بالأسباب الغائية « 81 » . والقول بإنكار الأسباب جملة « 82 » قول غريب جدا عن طباع الناس . والقول بنفي الأسباب في الشاهد ليس له سبيل إلى إثبات سبب فاعل في الغائب ، لان الحكم على الغائب من ذلك إنما يكون من قبل الحكم بالشاهد . فهؤلاء لا سبيل لهم إلى معرفة اللّه تعالى : إذ يلزمهم ألّا يعترفوا بان كل فعل له فاعل . [ 317 ] وإذا كان هذا هكذا ، فليس يمكن ، من إجماع المسلمين على أنه لا فاعل إلا اللّه سبحانه ، أن يفهم نفي وجود الفاعل بتّة في الشاهد : إذ من وجود الفاعل في الشاهد استدللنا على وجود الفاعل في الغائب ( 67 / و ) . لكن لما تقرر عندنا

--> ( 81 ) ت . مل 1 . " الغائية " ( 82 ) . ت . مل 1 . أضيف هو .